حميد بن أحمد المحلي
132
الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية
التي خلقها الله عز وجل من لؤلؤة بيضاء ، فشقّ فيها أنهارها ، وغرس فيها أشجارها ، وأظل عليها بالنضيج من ثمارها ، وكبسها بالعواتق من جورها ، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته . فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك لترفلنّ في سرابيل القطران ، ولتطوفن بينها وبين حميم آن ، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم ، ووجه مشئوم « 1 » ، ولو رأيت وقد قام مناد ينادي : يا أهل الجنة ونعيمها ، وحليها وحللها ، خلودا ولا موت ، ثم يلتفت إلى أهل النار فيقول : يا أهل النار ، يا أهل السلاسل والأغلال ، خلودا ولا موت ، فعندها انقطع رجاؤهم ، وتقطعت بهم الأسباب ، فهذا ما أعد الله عز وجل للمجرمين ، وذلك ما أعد الله عز وجل للمتقين . وروينا بالإسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن عليا عليه السّلام سمع رجلا يذمّ الدنيا فأطنب في ذمّها ، فصرخ به علي عليه السّلام فقال : هلمّ أيها الذامّ للدنيا ، فلما أتاه قال له عليه السّلام : أيها الذامّ للدنيا ويحك لم تذمها ؟ أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك ؟ فقال : بل أنا المجترم عليها يا أمير المؤمنين ، قال : ويحك فيم تذمها ؟ أليست منزل صدق لمن صدقها ؟ ودار غنا لمن تزود منها ؟ ودار عافية لمن فهم عنها ؟ مسجد أحباء الله عز وجل ، ومهبط وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بانقطاعها ، ومثلت ببلائها البلاء ، وشوقت بسرورها إلى السرور ؟ راحت بفجيعة ، وابتكرت بعافية ، بتحذير وترغيب وتخويف ، فذمّها رجال غداة النّدامة ، حدثتهم فلم يصدّقوا ، وذكّرتهم فلم يذكروا ، وحمدها آخرون ذكّرتهم فذكّروا ، وحدثتهم فصدقوا . فأيها الذامّ للدنيا ، المغتر بتغريرها ، متى استذمّت إليك ؟ بل متى غرتك ؟ أبمضاجع آبائك من البلى ؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم علّلت بيدك ؟ وكم مرّضت بكفك ؟ تلتمس له الشفاء ، وتستوصف له
--> ( 1 ) في ( آ ) : موسوم .